مؤسسة آل البيت ( ع )

215

مجلة تراثنا

قال : ولأن الإعجاز في القرآن لو كان لمكان اختصاصه بالفصاحة والبلاغة لنزل القرآن من أوله إلى آخره في أعلى مراتب الفصاحة ، ولكان كله على نسق قوله تعالى : " وقيل يا أرض ابلعي مائك ويا سماء اقلعي وغيض الماء . . . " ( 2 ) . وليس كله نزل على هذا النسق ، بل فيه ما هو في أعلى مراتب الفصاحة كما ذكرنا ، وما هو دونه كقوله تعالى : " تبت يدا أبي لهب وتب " و " إذا جاء نصر الله والفتح " و " قل يا أيها الكافرون " . ولأن الحال لا تخلو إما أن يقال لا رتبة في الفصاحة أعلى من رتبة القرآن ، كما ذهب إليه بعض أهل العدل ، فقالوا : لو كان في المقدور رتبة أعلى منها لأنزل الله سبحانه وتعالى عليها القرآن ، إذ لا يحسن أن يقتصر المكلف على أدنى البيانين مع قدرته على أعلاهما ، ولأن في أعلى البيانين وجه الدلالة على صدق الرسول أقوى . وأما أن يقال : بأن القرآن وإن كان فصيحا بليغا ففي مقدور الله تعالى ما هو أعلى منه مرتبة في الفصاحة . فيقول المعترض فهلا أنزله من أوله إلى آخره على أعلى مراتب الفصاحة التي ليس وراءها منتهى . قال : فهذا دليل على أن العمدة في الإعجاز ليس اختصاصه بالفصاحة والبلاغة لكن عجز ومنع أحدثهما الله تعالى فلم يشتغلوا بالمعارضة . ومنها : إن الله تعالى أنزل القرآن وأودع فيه من العلوم ما علم أن حاجة الخلق تمس إليه إلى قيام الساعة ، لا جرم بذل العلماء في كل نوع منه مجهودهم ، واستفرغوا فيه جهدهم ووسعهم ، فأهل الكلام - خصوصا أهل العدل والتوحيد - استظهروا في ما ذهبوا إليه من العدل والتوحيد بالآيات الواردة فيه على صحة ما اعتقدوه ، وعلى [ إبطال ] ما ذهب إليه أهل الأهواء والبدع وفساد ما انتحلوا . وأهل الفقه غاصوا في بحور النصوص فاستنبطوا منها المعاني وفرعوا الأحكام عليها .

--> ( 2 ) سورة هود 11 : 44 .